سيد محمد طنطاوي

508

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وصبر النفس معناه : حبسها وتثبيتها على الشيء ، يقال : صبرت فلانا أصبره صبرا ، أي : حبسته . والغداة : أول النهار . والعشى . آخره . والمعنى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تحبس نفسك وتعودها على مجالسة أصحابك * ( الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) * أي : يعبدونه ويتقربون إليه بشتى أنواع القربات ، في الصباح والمساء ، ويداومون على ذلك ، دون أن يريدوا شيئا من وراء هذه العبادة ، سوى رضا اللَّه - تعالى - عنهم ورحمته بهم . وفي تخصيص الغداة والعشى بالذكر : إشعار بفضل العبادة فيهما : لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور الدنيوية غالبا . ويصح أن يكون ذكر هذين الوقتين المقصود به مداومة العبادة . وإلى هذا المعنى أشار الآلوسي بقوله : قوله : * ( يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ ) * أي : يعبدونه دائما . وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام . وهي نظير قولهم : ضرب زيد الظهر والبطن . يريدون به ضرب جميع البدن . وأبقى غير واحد اللفظين على ظاهرهما أي : يعبدونه في طرفي النهار « 1 » . وقوله : * ( يُرِيدُونَ وَجْهَه ) * مدح لهم بالإخلاص والبعد عن الرياء والمباهاة . . فهم لا يتقربون إلى اللَّه - تعالى - بالطاعات من أجل دنيا يصيبونها . أو من أجل إرضاء الناس . وإنما هم يبتغون بعبادتهم رضا اللَّه - تعالى - وحده ، لا شيئا آخر من حظوظ الدنيا . وقوله - سبحانه - * ( ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا . . ) * نهى له صلى اللَّه عليه وسلم - عن الغفلة عنهم ، بعد أمره بحبس نفسه عليهم . والفعل * ( تَعْدُ ) * بمعنى تصرف . يقال عداه عن الأمر عدوا إذا صرفه عنه وشغله . أي : احبس نفسك مع هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه - سبحانه - ولا تصرف عيناك النظر عنهم ، وتتجاوزهم إلى غيرهم من الأغنياء ، طمعا في إسلامهم . فالمراد بإرادة الحياة الدنيا الحرص على مجالسة أهل الغنى والجاه حبا في إيمانهم . وجملة * ( تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * في موضع الحال من الضمير المضاف إليه في قوله

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 262 .